النويري
100
نهاية الأرب في فنون الأدب
الشّعيبة « 1 » ، وكانت مرفأ السفن قبل جدّة فتحطَّمت ؛ فخرج الوليد بن المغيرة في نفر من قريش فابتاعوا خشبها ، وقدم معهم باقوم الرومىّ . قال ابن إسحاق « 2 » : فأعدّوا الخشب لتسقيفها ، وكان بمكة رجل قبطىّ نجار ، فتهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها ؛ وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التي كان يطرح فيها ما يهدى لها ، فتتشرّق « 3 » كل يوم على جدار الكعبة ، ولا يدنو منها أحد إلا احزألَّت « 4 » أي رفعت رأسها وكشّت « 5 » وفتحت فاها ، فكانوا يهابونها ؛ فبينا هي يوما تتشرّق بعث اللَّه طائرا فاختطفها فذهب بها ، فقالت قريش : إنا لنرجو أن يكون اللَّه قد رضى ما أردنا ؛ عندنا عامل رفيق ، وعندنا خشب ، وقد كفانا اللَّه عز وجل الحية . فلما أجمعوا أمرهم « 6 » على هدمها وبنائها ، قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم ، وهو خال أبى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، فتناول من الكعبة حجرا ، فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه ، فقال : يا معشر قريش ، لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيّبا ، لا يدخل فيها مهر بغىّ ، ولا بيع ربا ، ولا مظلمة أحد من الناس . ويقال إن الوليد بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم هو الذي قال هذا القول . قال الواقدىّ : فأمروا بجمع الحجارة ، وببناء الكعبة منها ؛ فبينا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ينقل معهم ، وكانوا يضعون أزرهم على عواتقهم ويحملون الحجارة ، ففعل
--> « 1 » معجم البلدان 5 : 275 . « 2 » سيرة ابن هشام 1 : 205 . « 3 » تتشرق : تبرز للشمس . عن الخشني 1 : 63 . « 4 » في شرح الخشني على سيرة ابن هشام 1 : 63 : « احزألت : رفعت ذنبها » . « 5 » صوتت باحتكاك بعض جلدها ببعض . عن الخشني 1 : 63 . « 6 » في سيرة ابن هشام 1 : 205 : « أمرهم في » .